الإمام علي بن الحسين السجاد

عليه السلام

 

ليس في تاريخ هذا الشرق، الذي هو مهد النبوات من يضارع الإمام زين العابدين (عليه السلام) في ورعه وتقواه، وشدة إنابته إلى الله، اللهم إلا آباؤه الذين أضاءوا الحياة الفكرية بنور التوحيد، وواقع الإيمان.

لقد حكت سيرة هذا الإمام العظيم سيرة الأنبياء والمرسلين، وشابههم بجميع ذاتياتهم، واتجاهاتهم، فهو كالمسيح في زهده وإنابته إلى الله، وكالنبي أيوب في بلواه وصبره، وكالرسول محمد (صلى الله عليه وآله) في صدق عزيمته وسمو أخلاقه، فهو زين العابدين ولم يُمنح لأحد هذا اللقب سواه.

وبرز الإمام زين العابدين (عليه السلام) على مسرح الحياة الإسلامية كألمع سياسي إسلامي عرفه التاريخ، فقد استطاع بمهارة فائقة أن ينهض بمهام الإمامة وإدامة نهضة أبوه الإمام الحسين (عليه السلام)، برغم ما به من قيد المرض وأسر الأمويين. لقد حقق الإمام (عليه السلام) هذه الانتصارات الباهرة من خلال خطبتين ألقاها على الجماهير الحاشدة في الكوفة وفي الشام والتي كان لها الأثر البالغ في إيقاظ الأمة وتحريرها من عوامل الخوف والإرهاب.

لقد كان الإمام زين العابدين (عليه السلام) من أقوى العوامل في تخليد الثورة الحسينية، وتفاعلها مع عواطف المجتمع وأحاسيسه، وذلك بمواقفه الرائعة التي لم يعرف لها التاريخ مثيلاً في دنيا الشجاعة والبطولات، وظل يلقي الأضواء على معالم الثورة الحسينية، ويبث موجاتها على امتداد الزمن والتاريخ. وكان من مظاهر تخليده للثورة الحسينية كثرة بكائه على ما حل بأبيه وأهل بيته وأصحابه من أهوال يوم الطف، وكان لهذا الأسلوب الأثر الكبير في نفوس المسلمين وفي تحرير الإنسان من الظلم والعبودية والطغيان ورفضهما.

وكان للإمام زين العابدين (عليه السلام) الدور الكبير في إنارة الفكر الإسلامي بشتى أنواع العلوم والمعارف، وقد دعا ناشئة المسلمين إلى الإقبال على طلب العلم، وحثهم عليه، وقد نمت ببركته الشجرة العلمية المباركة التي غرسها جده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأقبل الناس بلهفة على طلب العلم ودراسته فكان حقاً من ألمع المؤسسين للكيان العلمي والحضاري في دنيا الإسلام.

أما الثروات الفكرية والعلمية التي أثرت عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) فإنها تمثل الإبداع والانطلاق والتطور، ولم تقتصر على علم خاص، وإنما شملت الكثير من العلوم كعلم الفقه والتفسير وعلم الكلام، والفلسفة وعلوم التربية والاجتماع، وعلم الأخلاق الذي اهتم به الإمام (عليه السلام) اهتماماً بالغاً، ويعود السبب في ذلك إلى أنه رأى انهيار الأخلاق الإسلامية، وابتعاد الناس عن دينهم من جراء الحكم الأموي الذي حمل معول الهدم على جميع القيم الأخلاقية فانبرى عليه السلام إلى الإصلاح وتهذيب الأخلاق.

إن المثل التي نشرها الإمام السجاد (عليه السلام) تبهر العقول وتدعو إلى الاعتزاز والفخر لكل مسلم بل لكل إنسان يدين للإنسانية ويخضع لمثلها وقيمها.

ومن الحق أن يقال أن هذا الإمام الملهم العظيم ليس لطائفة خاصة من الناس، ولا لفرقة معينة من الفرق الإسلامية دون غيرها، وإنما هو للناس جميعاً على اختلاف عصورهم، بل وعلى اختلاف أفكارهم وميولهم واتجاهاتهم، فإنه سلام الله عليه يمثل القيم الإنسانية والكرامة الإنسانية، ويمثل كل ما يعتزّ به هذا الإنسان من الكمال والآداب، وسمو الأخلاق وكان المسلمون يرون في سيرة الإمام زين العابدين (عليه السلام) تجسيداً حياً لقيم الإسلام وامتداداً مشرقاً لجده الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، فهو يحكيه في منهجه وسيرته ومآثره وقد ملك القلوب والعواطف بأخلاقه الرفيعة، وكانوا لا يرون غيره أهلاً لقيادتهم الروحية والزمنية، ولهذا عمدوا إلى اغتياله كما اغتالوا غيره من أئمة المسلمين، وأعلام الإسلام من الذين يشكلون خطراً على حكومتهم.

النسب الأزكى

الإمام عليّ بن الإمام الحسين السِّبط الشهيد بن الإمام عليّ بن أبي طالب عليه الصلاة والسّلام.

الكُنى الشريفة

أبو محمّد، أي محمّد الباقر عليه السّلام، وهو الإمام من بعده. وكُنّي بأبي الحسن، وقيل: بأبي القاسم أيضاً. كما قيل: هو أبو الأئمّة، إذ منه تناسل وُلد الإمام الحسين عليه السّلام.

ألقابه المباركة

وهي من دلائل إمامته، إذ هي معالم واضحة لسمّو شأنه ومكانته عليه السّلام.. وأشهرها: زين العابدين، لِما رُوي عن ابن عبّاس من قوله: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: إذا كان يومُ القيامةِ ينادي مُنادٍ: أين زَينُ العابدين ؟ فكأني أنظر إلى وَلَدي عليِّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب يَخطر بين الصفوف.
ولُقّب في بعض الروايات بـ (سيّد العابدين)، كما اشتهر بلقب (السجّاد)، إذ عُرف بكثرة سجوده الذي ترك آثاره في مواضع السجود عنده. ولُقّب بـ (ذي الثَّفِنات)؛ حيث كان في موضع سجوده آثار ناتئة.
كذا كان من ألقابه: سيّد الساجدين، والزكيّ، والأمين، وزين الصالحين، ووارث علم النبيّين، ووصيّ الوصيّين، ومنار القانتين، والخاشع، والمتهجّد، والزاهد، والبكّاء، والخالص، وخازن وصايا المرسلين، وإمام المؤمنين.

نقش خاتمه

من مجموع الأخبار يتبيّن أنّه أكثر من نقش، فروي من هذه النصوص الشريفة: «وما توفيقي إلاّ بالله»، «العزّةُ لله»، «الحمد لله العليّ العظيم». قيل: وكان عليه السّلام يتختّم بخاتم أبيه الإمام الحسين عليه السّلام، وكان نقشه: «إنّ اللهَ بالغُ أمرِه».
كما قيل: كان على خاتم عليّ بن الحسين عليهما السّلام: «خزِيَ وشقيَ قاتلُ الحسين بن عليّ» صلوات الله عليهما.

منصبه الإلهيّ

في المعصومين.. هو السادس، وفي الأئمّة الهداة هو الرابع بعد: جدّه عليّ أمير المؤمنين، وعمّه الحسن المجتبى، وأبيه الحسين الشهيد صلوات الله عليهم جميعاً.
عاش مع جدّه الإمام عليّ عليه السّلام سنتين، ومع أبيه الإمام الحسين عليه السّلام ثلاثاً وعشرين سنة، وبعد أبيه سبعاً وثلاثين سنة ـ وهي مدّة إمامته سلام الله عليه.

مولده البهيج

هناك مَن قال إنّ مولد الإمام السجّاد عليه السّلام كان في الكوفة، حيث كانت أُسرة أمير المؤمنين عليه السّلام كلّها هناك بعد الانتقال إليها وجَعْلِها عاصمة الخلافة الإسلاميّة يومذاك. ولكنّ أغلب المصادر تذكر أنّ مولده كان في المدينة، وذلك يوم الجمعة.. قيل: في النصف من جُمادى الآخرة، والأشهر في الخامس من شهر شعبان. واختُلف في السنة التي وُلد فيها، فمنهم مَن ذكر سنة 36 هجريّة يوم فتح البصرة وانتصار أمير المؤمنين عليه السّلام في واقعة الجمل. ومنهم مَن ذكر سنة 38 هجريّة ـ ولعلّ هذا التاريخ هو الأشهر.

الأُرومة المثلى

من أشرف سلالة وأزكى نسب وأطهر أصل..
الجد الأعلى حبيب الله وسيّد الخلق، محمّد صلّى الله عليه وآله. والجدّ الآخر: وليّ الله وسيّد الأوصياء، عليّ عليه السّلام.
والجدّة: عصمة الله وسيّدة نساء العالمين، الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهرا عليها أفضل الصلاة والسّلام.
والأب: ثار الله وسيّد شباب أهل الجنّة، وسيّد الشهداء، وريحانة النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم.. الإمام أبو عبدالله الحسين سلامُ الله عليه.
أمّا الأُمّ.. فلا ريب أنّ الأئمّة عليهم السّلام لابدّ أن يكون الله تعالى قد اختار لهم أرحاماً طاهرةً مطهّرة، وأُمّهات هن في معالي النجابة والشرف والعبادة والكرامة. قيل: اسمها «شاه زنان» ـ أي ملكة النساء، وقيل: شهربانويه ـ إذ كانت تُدعى سيّدة النساء.. وهي بنت الملك يزدجرد بن شهريار بن كسرى ملك الفُرس.
روي أنّ أمير المؤمنين عليّاً عليه السّلام كان ولّى حُريث بن جابر الجعفيّ جانباً من المشرق، فبعث إليه ببنتَي يزدجرد بن شهريار، فنحل ابنه الحسين عليه السّلام إحداهما فأولدها زينَ العابدين عليه السّلام، ونحل الاُخرى محمّد بن أبي بكر فولدت له القاسم بن محمّد.. الذي كان من بناته أُمّ فروة (فاطمة) زوجة الإمام الباقر عليه السّلام وأُمّ الإمام الصادق عليه السّلام.
وقد سمّى أمير المؤمنين عليه السّلام «شاه زنان» هذه (مريم)، وقيل: (فاطمة).. فحَظِيَت أن أصبحت زوجةً لإمام، وأُمّاً لإمام.

إخوته وأخواته

1ـ عليّ الأكبر، الشهيد في عنفوان شبابه، وقد فُجع به أبوه الحسين عليه السّلام، واُمه ليلى الثقفيّة.
2ـ جعفر بن القضاعيّة، وقد تُوفّي صغيراً في حياة والده الحسين عليه السّلام.
عبدالله الرضيع (أو عليّ الأصغر) وقد استُشهد وهو على يد والده، ولم يكن له من العمر إلاّ ستّة أشهر.
سكينة.
فاطمة.
رُقيّة.. وكُنّ ثلاثتهنّ مع أبيهنّ الإمام الحسين عليه السّلام في سفر الشهادة إلى كربلاء، ثمّ دخَلنَ في ركب السَّبي إلى الكوفة والشام، والعودة إلى المدينة مروراً ووقوفاً على مقابر كربلاء. إلاّ أنّ رُقيّة قد تُوفّيت بغصّتها على أبيها، وهي في خَربة الشام، ولم يكن لها من العمر أكثر من أربع سنوات، فدُفنت هناك، وخفي قبرها ثمّ ظهر بكرامة إلهيّة وعناية خاصّة، كان لها بعد ذلك مشهد عامر مهيب.

زوجته

ابنة عمّة الإمام الحسن عليه السّلام، فاطمة.. المرأة الطاهرة، ذات الكرامات المعروفة. وقد كان منها الإمام الخامس محمد الباقر سلامُ الله عليه.

أبناؤه

1ـ أشرفهم الإمام أبو جعفر محمّد الباقر عليه السّلام.
2ـ زيد الشهيد المظلوم، الثائر في وجه الكفر الأُمويّ، والذي تعرّض بدنه الشريف للنبش والصَّلب والمُثْلَة.
3ـ عبدالله الباهر.
4ـ الحسن.
5ـ الحسين.
6ـ الحسين الأصغر.
7ـ عبدالرحمن.
8 ـ عمر الأشرف.
9ـ سليمان.
10ـ عليّ الأصغر.
11ـ محمّد الأصغر.
12ـ عبيدالله.
13ـ خديجة.
14ـ فاطمة.
15ـ عليّة.
16ـ أُمّ كلثوم.

أصحابه

أشهرهم: جابر بن عبدالله الأنصاريّ، سعيد بن جبير، أبو خالد الكابُليّ، إبراهيم بن محمّد بن الحنَفَيّة، الحسن بن محمّد بن الحنَفَيّة، فرات بن الأحنف، أبو حمزة الثُّماليّ، جابر بن محمّد بن أبي بكر، طاووس بن كَيْسان، أبان بن تَغلِب،.. وآخرون.

شاعره

كثير عَزَّة، وقيل: الفرزدق أيضاً.

بوّابه
أبو جبلة، وأبو خالد الكابُليّ، ويحيى المطعميّ.

إقامته
كانت في المدينة، فأصبح عليه السّلام فيها مَفزَعاً للمهمّات وملاذاً للناس، فأفاض عليهم علماً وسخاءً ورحمة.

آثاره
كان وجوده المبارك الشريف كلّه ـ وما يزال ـ آثاراً طيّبة تهدي إلى الخيروالسعادة، إلاّ أنّ الذي حُفظ منها نصوصٌ شريفة صدرت عنه، منها: رسالة الحقوق، والصحيفة السجّاديّة.

الحكّام المعاصرون
1ـ أمير المؤمنين عليه السّلام عليّ بن أبي طالب ( 35 ـ 40 هجريّة).
2ـ الإمام الحسن المجتبى عليه السّلام ( 40 ـ 41 هجريّة).
3ـ معاوية بن أبي سفيان ( 35 ـ 60 هجريّة).
4ـ يزيد بن معاوية ( 60 ـ 64 هجريّة).
5ـ معاوية بن يزيد (معاوية الثاني) ( 64 ـ 64 هجريّة).. ولم يحكم إلاّ أيّاماً حيث خلع نفسه وتمرّد على بني اُميّة، وخطب خطبة فضح فيها جدّه معاوية وأباه يزيد، قيل: وأشار إلى الإمام عليّ بن الحسين عليه السّلام أنّه الخليفة الحقّ.
6ـ عبدالله بن الزبير بن العَوّام (64 ـ 73 هـ).
7ـ مروان بن الحكم (64 ـ 65 هـ).
8 ـ عبدالملك بن مروان (65 ـ 86 هـ).
9ـ الوليد بن عبدالملك (86 ـ 96 هـ).. وفي حكمه كانت شهادة الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين عليه السّلام.

أهم الوقائع

الإمام هو أعلم الناس قاطبة، فهو وارث العلم النبويّ، حيث يرى ما يجري بوضوح.. ببصيرة إلهيّة وعناية ربّانية. وهذه من مزايا الإمام المعصوم، والإمام عليّ بن الحسين عليه السّلام قد خصّ بحوادث هائلة، أبرزها:
وفاة والدته « شاه زنان » عند ولادته عليه السّلام، فكانت في منزلة الشهيد وحُكمه ـ كما يُستفاد من الحديث الشريف.
شهادة جدّه أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام في محراب عبادته، ثمّ شهادة عمّه الإمام الحسن الزكيّ عليه السّلام غدراً بالسمّ.
وفي كلّ ذلك كانت الحوادث الخطيرة تجري ولا تخلو من الفتن والاختبارات الصعبة. وقد لازم عليّ بن الحسين عليه السّلام والده في حِلّه وتَرحاله، لم يفارقه في جميع المواقف، لا سيّما بعد تسلّط يزيد بن معاوية وفرضه الوضع الفاسد على حياة الاُمّة الإسلاميّة.

وحين شدّ الإمام الحسين سلام الله عليه رحاله إلى العراق، في ركب الشهادة المهيب، معترضاً على حكومة الطغيان، وصادعاً بالغيرة على الدين، ومحارباً للمشوِّهين والمحرِّفين.. كان زين العابدين عليّ عليه السّلام أوّل المرافقين لسيّد الشهداء عليه السّلام في تلك الرحلة المقدّسة سنة 60 هجريّة.

وحلّ الركب الحسينيّ الشريف ساحة كربلاء، وبدأت معركة العدوان على آل رسول الله صلّى الله عليه وآله، فذكرت الأخبار أنّ الإمام عليّ بن الحسين عليه السّلام كان يومها عليلاً في ساحة كربلاء، وقد حضر بعض القتال فدفع الله تعالى عنه، ثمّ أُخذ أسيراً. ويرد اسمه عليه السّلام في بعض مصادر الواقعة، لم يُحدّد من هو عليّ: السجّاد عليه السّلام أم أخوه عليّ الأكبر عليه السّلام ؟!

لكنّه جاء في أقدم نصّ مأثور عن أهل البيت عليهم السّلام في ذكر أسماء من حضر مع الإمام الحسين عليه السّلام أنّ الإمام عليّ بن الحسين عليه السّلام قد قاتل في ذلك اليوم، وجُرح.. كما جاء في كتاب (تسمية مَن قُتل مع الحسين عليه السّلام من أهل بيته واخوته وشيعته)، الذي جمعه المحدّث الفضيل بن الزبير الأسديّ الرسّان الكوفيّ، وهو من أصحاب الإمامَين: الباقر والصادق عليهما السّلام، حيث ذكر ما نصّه:
وكان عليّ بن الحسين عليلاً، وارتُثّ يومئذٍ، وقد حضر بعض القتال.
و«ارتُثّ» تعني أنّه حُمل من ساحة المعركة بعد أن قاتل وأُثخن بالجراح، فأُخلي من أرض القتال وبه رمق. أجل... فصار صلوات الله عليه عليلاً، يُغمى عليه ويقعده المرض، فيهمّ بالدفاع عن حريم إمامه وأبيه الحسين عليه السّلام فيُرجع من قِبل عمّته العقيلة زينب سلام الله عليها؛ حفاظاً على نسل الإمامة من أن ينقطع. وتمرّ وقائع عاشوراء مريرة، يعيشها الإمام زين العابدين عليه السّلام بتفاصيلها المفجعة.

ثمّ يُقاد سلام الله عليه أسيراً إلى الكوفة، فيعود بعد ثلاث لدفن الأجساد الطاهرة في ساحة الطفّ. ويعيش أيّاماً في الحبس والأسر، ويشاهد سبيَ عمّاته وأهل بيته، ويعيش آلام اليتامى والأرامل والأطفال العطاشى الجياع.
حتّى تكون المحنة الاُخرى في الشام، في قصر يزيد، فيتعرّض للقتل أكثر من مرّة، إلاّ أنّ العناية الإلهيّة تدّخره وتحفظه. وتكون له خطبة غرّاء في عقر دار يزيد الطاغية، يهزّ بها كيان الحكم الأُمويّ، ويدوّي بنهضة الإمام الحسين عليه السّلام في كربلاء.

ثمّ تكون العودة إلى المدينة.. مروراً بالأحبّة الشهداء في ساحة الطفّ، حيث الزيارة المقدّسة. وعلى مشارف المدينة يبعث الإمام زين العابدين عليه السّلام مَن ينعى الإمام الحسين عليه السّلام، ثمّ يدخل الركب الحسينيّ الحزين، فتنقلب المدينة إلى حال جديد، وتبدأ بذور الثورات على الحكم الأُمويّ.
وتكون خطة العمل الجديدة إعادة تربية الاُمّة على العقائد التوحيدية السليمة والأخلاق الإلهية النبوية، وتوجيه القلوب إلى العبادة والمعرفة والإيمان والتقوى، لخلق جيل يحيا الإسلام ويرفض الكفر المتقمّص والفساد المستشري.
وتنهض الاُمّة من جديد ولا تهدأ: ثورة في الكوفة بقيادة المختار الثقفي يُقتل فيها قتلةُ الإمام الحسين عليه السّلام، وثورة ثانية تضمّ التّوابين بقيادة سليمان بن صُرَد الخُزاعيّ.. وثالثة في اليمن ورابعة في المدينة، وخامسة وسادسة، ولا تنتهي حتّى تُقوَّض أُسس الحكومة الأُمويّة حتّى تؤول بعدئذ إلى الانهيار.
هذا، والإمام السجّاد عليّ عليه السّلام كان ما يَفتأ يبعث النهضة الحسينيّة في صور عديدة ، لتعطي آثارها مِن دون أن تثير انتباه السلطان الظالم. حتّى اجتمعت الكتل الثوريّة من كلّ مكان، ونهضت بعضها نهضاتٍ غيورةً موفّقة، أدّت تكاليفها الشرعيّة، وخلّفت حالة اجتماعيّة رافضة للحكم اللاّشرعيّ القائم يومذاك.. وكان منها: نهضة زيد بن الإمام عليّ بن الحسين عليه السّلام.
وإلى جانب ذلك.. كان الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السّلام ينشر المعارف الإسلاميّة، ويبثّ روح العبادة في أدعيته المباركة، ويشيع الفضائل والقيم الأخلاقيّة الرفيعة من خلال سلوكه الشريف وتعامله مع المجتمع. ورسالة الحقوق هي إحدى وثائقه الرائعة في تنظيم العلاقات.. بين العبد وربّه جلّ وعلا، بين الإنسان ونفسه، بين المرء وذويه من الأهل والإخوان وذوي الأرحام والأصدقاء وغيرهم.

شهادته
كانت على يد الوليد بن عبدالملك بن مروان، الذي لم يُطِق أن يرى أو يسمع أنّ هنالك وصيّاً لرسول الله صلّى الله عليه وآله يُجلّه الناس ويحترمونه ويأخذون عنه العلم والخلُق الكريم والدعاء والارتباط الصميميّ بالله عزّوجلّ.. فدسّ إليه سُمّاً ناقعاً كان سبب شهادته يوم السبت الخامس والعشرين من شهر محرّم الحرام (على أغلب التواريخ) سنة خمس وتسعين من الهجرة النبويّة الشريفة.. وله من العمر يومذاك سبع وخمسون سنة.

ودُفن سلام الله عليه في البقيع إلى جوار عمّه الإمام الحسن المجتبى عليه السّلام، في قبر يُزار وتُنال عنده الكرامات والبركات، حتّى هدمته أيدي العدوان الآثمة في الثامن من شوّال عام 1344 هجريّة، فبقي اليوم أثراً تحنّ إليه قلوب الموحّدين ويقصده آلاف المؤمنين، ويُبكى عنده على ظُلامة أئمّة الهدى عليهم السّلام هناك: الإمام الحسن، والإمام السجّاد، والإمام الباقر، والإمام الصادق صلوات الله عليهم.. حيث مراقدهم الطاهرة.

لهفي عليه يئن في أغلاله                 بين العدى ويقاد بالأصفاد
مضنى وجامعة الحديد بنحره                  غل يعاني منه شر قياد
تحدو به الأضغان من بلد الى                بلد وتسلمه الى الأحقاد
حتى قضى سما وملأ فؤاده                      ألم تحز مداه كل فؤاد

اقوال ومواعظ الامام زين العابدين

عليه السلام


(
الدنيا قنطرة)

قال الإمام زين العابدين (عليه السلام) يوماً لأصحابه: «إخواني، أوصيكم بدار الآخرة، ولا أوصيكم بدار الدنيا؛ فإنكم عليها حريصون وبها متمسكون، أما بلغكم ما قال عيسى بن مريم (عليه السلام للحواريين، قال لهم: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها، وقال: أيكم يبني على موج البحر داراً، تلكم الدار الدنيا فلاتتخذ

(
أحبكم إلى الله)

إن علي بن الحسين (عليه السلام) كان يقول لأصحابه: «إن أحبكم إلى الله عزوجل أحسنكم عملاً.
وإن أعظمكم عند الله عملا أعظمكم فيما عند الله رغبة.
وإن أنجاكم من عذاب الله أشدكم خشية لله.
وإن أقربكم من الله أوسعكم خلقاً.
وإن أرضاكم عند الله أسبغكم على عياله.
وإن أكرمكم عند الله جل وعز أتقاكم لله تعالى .


(
الموت عند المؤمن والكافر )

قيل له (عليه السلام): ما الموت؟ 
قال (عليه السلام): «للمؤمن كنزع ثياب وسخة قملة، وفك قيود وأغلال ثقيلة، والاستبدال بأفخر الثياب وأطيبها روائح وأوطأ المراكب وآنس المنازل، والكافر كخلع ثياب فاخرة، والنقل عن منازل أنيسة، والاستبدال بأوسخ الثياب وأخشنها، وأوحش المنازل وأعظم العذاب 
فلان وفلان؟
وقال (عليه السلام): «ثلاثة لا يكلمم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: من جحد إماماً من الله، أو ادعى إماماً من غير الله، أو زعم أن لفلان وفلان نصيباً في الإسلام»

(
كل الخير)

وقال (عليه السلام): «فقد رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع عما في أيدي الناس، ومن لم يرج الناس في شيء وردّ أمره في جميع أموره إلى الله تعالى استجاب الله له في كل شيء»


(
حقوق الأخوان )

وقال (عليه السلام): «يغفر الله للمؤمن كل ذنب ويطهره منه في الدنيا والآخرة ما خلا ذنبين: ترك التقية، وتضييع حقوق الإخوان»
(
الصبر)

وقال (عليه السلام) في جملة وصاياه (عليه السلام) لابنه: «يا بني اصبر على النوائب، ولاتتعرض للحقوق، ولا تجب أخاك إلى الأمر الذي مضرته عليك أكثر من منفعته له»
بين الدنيا والآخرة
وقال (عليه السلام): «إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا
ألا وكونوا من الزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة.
ألا إن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطاً والتراب فراشاً والماء طيباً وقرضوا من الدنيا تقريضاً
ألا ومن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب
ألا إن لله عباداً كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين، وكمن رأى أهل النار في النار معذبين، شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة، أنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، صبروا أياماً قليلة، فصاروا بعقبى راحةٍ طويلة، أما الليل فصافّون أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، وهم يجأرون إلى ربهم، يسعون في فكاك رقابهم، وأما النهار فحكماء علماء، بررة أتقياء، كأنهم القداح، قد براهم الخوف من العبادة، ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى، وما بالقوم من مرض، أم خولطوا فقد خالط القوم أمر عظيم من ذكر النار وما فيها»

(
لا تصحبن خمسة)

عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) قال: «أوصاني أبي، فقال: يا بني، لاتصحبنّ خمسة، ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق
فقلت: جعلت فداك يا أبة من هؤلاء الخمسة؟ 
قال: لا تصحبن فاسقاً، فإنه يبيعك بأكلة فما دونها.
فقلت: يا أبة وما دونها؟ 
قال: يطمع فيها ثم لا ينالها.
قال: قلت: يا أبة ومن الثاني؟ 
قال: لا تصحبن البخيل، فإنه يقطع بك في ماله أحوج ما كنت إليه.
فقلت: ومن الثالث؟ 
قال: لا تصحبنّ كذاباً، فإنه بمنزلة السراب يبعد منك القريب ويقرب منك البعيد.
قال: فقلت: ومن الرابع؟ 
قال: لا تصحبنّ أحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرّك.
قال: قلت: يا أبة من الخامس؟ 
قال: لا تصحبن قاطع رحم فإني وجدته ملعوناً في كتاب الله في ثلاثة مواضع»
(
أربع أعين)
وقال (عليه السلام): «ألا إن للعبد أربع أعين، عينان يبصر بهما أمر دينه ودنياه، وعينان يبصر بهما أمر آخرته، فإذا أراد الله بعبد خيراً فتح له العينين اللتين في قلبه، فأبصر بهما الغيب وأمر آخرته، وإذا أراد به غير ذلك ترك القلب بما فيه»

(
احذر الأحمق)

وقال (عليه السلام): «كَف الأذى رفض البذاء، واستعن على الكلام بالسكوت فإن للقول حالات تضر، فاحذر الأحمق»

وقال (عليه السلام): «خير مفاتيح الأمور الصدق، وخير خواتيمها الوفاء»
مسكين ابن آدم
جاء رجل إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) يشكو إليه حاله، فقال (عليه السلام): «مسكين ابن آدم، له في كل يوم ثلاث مصائب لا يعتبر بواحدة منهن، ولو اعتبر لهانت عليه المصائب وأمر الدنيا، فأما المصيبة الأولى: فاليوم الذي ينقص من عمره.
قال: وإن ناله نقصان في ماله اغتم به، والدرهم يخلف عنه والعمر لا يرده شيء.
والثانية: أنه يستوفي رزقه فإن كان حلالا حوسب عليه، وإن كان حراما عوقب عليه، 
قال: والثالثة أعظم من ذلك».
قيل: وما هي؟ 
قال: «ما من يوم يمسي إلا وقد دنا من الآخرة مرحلة لا يدري على الجنة أم على النار»[اخي العزيز ،، 
(
أكبر ما يكون ابن آدم)

وقال(عليه السلام): «أكبر ما يكون ابن آدم اليوم الذي يلد من أمه».
قالت الحكماء: ما سبقه إلى هذا أحد
(
ثلاث خصال)

وقال(عليه السلام): «لا يهلك مؤمن بين ثلاث خصال: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وشفاعة رسول الله(صلى الله عليه و آله)، وسعة رحمة الله» 
وقال(عليه السلام): «خف الله تعالى لقدرته عليك واستحي منه لقربه منك»


لا للعداوة

وقال(عليه السلام): «لا تعادين أحدا وإن ظننت أنه لا يضرك، ولا تزهدن في صداقة أحد وإن ظننت أنه لا ينفعك؛ فإنه لا تدري متى تخاف عدوك ومتى ترجو صديقك، وإذا صليت فصل صلاة مودع» 
الشرف في التواضع

وقال(عليه السلام): «لا تمتنع من ترك القبيح وإن كنت قد عرفت به، ولا تزهد في مراجعة الجميل وإن كنت قد شهرت بخلافه، وإياك والرضا بالذنب فإنه أعظم من ركوبه، والشرف في التواضع والغنى في القناعة»

 

 

Retour

Revenir en haut de la page

ASSOCIATION ALGHADIR ISLAMIQUE    15, place du Général de Gaulle  93100 Montreuil